(الكأبة الشتوية ) - 783


الأختلال العاطفى الموسمى

قرأت فى أحد المجلات العلمية هذه القصة المثيرة للأنتباه وجاء فى أحد فصولها ما يالى : وقال المستكشف القطبى ( مستكشف القطب الشمالى أو القطب الجنوبى ) وهذا لا يهمنا فى شيئ قال : لقد هبط علينا الظلام فى الشتاء ببطء ولكن بإصرار .. ولم يكن من الصعب أن أقرأ على وجوه رفاقى أفكارهم وتقلبات أمزجتهم ، إن إنسدال الظلام فى العالم الخارجى أسدل أيضا على نفوسنا ، فالرجال يجلسون حول الموائد حزانى مكتئبين تائهين فى أحلام سوداوية ، يفيق أحدهم من هذه الكأبة بين الحين والحين ليقوم بمحاولة يائسة لبث الحماس فى النفوس ، ويحاول بعضهم للحظات قصيرة فك طوق الكأبة بقوله بعض النكات التى ربما تكون قد سمعنها للمرة الخمسين بينما يحاول بعضهم الأخر الأجتهاد فى تقديم كلمات مبهجة ، إلا أن كل الجهود المبذولة لإذكاء الآمال المشرقة كانت تبوء بالفشل .
أخذت هاتفى وتحدثت مع الطبيب النفسى الشهير الذى أعرفه ، وقرأت له ما فى المجلة ، فرد بقوله : هل أنت فاضى .. قلت له : نعم .. قال :حسنا قابلنى على المقهى الأن .
ذهبت إلى المقهى وأخترت أحدى الموائد المعزولة وما هى إلا بره قصيرة إذ أرى الطبيب يجلس أمامى ، قدمت له المجلة فقرأ الموضوع بسرعة ، ثم قال لي : يا أخى أنت بتجيب هذه المواضيع منين ؟ . 
أنت ذكرتنى بهذا الموضوع ( مرض الكأبة ) عندما كنت أحضر للدكتوراه فى أمريكا منذ أكثر من ثلاثين عام وعلى التحديد عام 1989 .. هذا المرض يعرف باسم الأختلال العاطفى الموسمى ) وهو يصيب بعض الناس فى بداية فصل الشتاء .. فقد حضرت محاضرة لأستاذ الصحة النفسية الأمريكى فى الجامعة عن قصة أمرأة عمرها 29 عاما كان يعالجها هذا البروفسير من نوبات دورية من الكأبة الشتوية  .. وذكر أن المريضة تنقلت خلال مساق المعالجة الذى استمر عدة سنوات بين عدد من المدن المختلفة ولكن هذا البروفسير كان على أتصال بها دائما ، ولاحظ أنها كلما أنتقلت إلى منطقة أكثر توغلا نحو الشمال بكرت أصابتها بالإكتأب منذ قدوم الخريف إلى فصل الربيع ، كما لاحظ الطبيب أنها فى مناسبتين أثنتين سافرت إلى جامايكا فى منتصف الشتاء ، وإن كأبتها قد زالت خلال يومين من وصولها .. وبدء البروفسير يشك فى أن ضوء الشمس أو أنعدامه يسهم بطريقة ما فى الكأبة التى تتعرض لها المرأة وهذا الأستاذ يعلم أنه يحاضر لطلبة الدكتوراه وهم أطباء المستقبل فلا بد أن يعطيهم خبرته فى علاج هذه الحالات ، وقرر أن يقوم بتجارب تعتمد على ( العلاج الضوئى ) ، وهو نوع من العلاج نجح فى علاج الأطفال حديثى الولادة المصابين بـ ( اليرقان )  وهو تراكم بعض الصابغات وترسبها فى نسيج تحت الجلد فى الغطاء الليفى الخارجى غير الشفاف للعين ، ويؤدى إلى أصفرار الجلد والعينيين
وهكذا عرض المريضة فى أيام متتالية صباحا إلى 2.500 (لواكس ) من الضوء ذى الطيف الكامل .. أشرت بيدى أعترض ، قلت : يا دكتور ما هو (اللواكس) هذا ، فقال هل ستتجاوب معى فى معرفته ؟، قلت له : يا دكتور لا تنسى أننى خريج كلية عملية ، قال : ( اللواكس ) هى وحدة إنارة تكافئ الإنارة التى تنشرها شمعه على سطح ما تبعد مترا واحدا عن هذا السطح ، وال 2.500 لواكس تساوى من خمس إلى عشر قدم / شمعة .
وفى مدة تقل عن أسبوع تعافت المريضة من كأبتها !!!!!!



تعليقات