تحليل الصور فى الدماغ - 811



تحليل الصور فى الدماغ
قال دكتور الأعصاب الشهير : سنتكلم اليوم عن إبداع الله فى الجهاز البصرى ، وتحليل الصور فى الدماغ ، وارجو ان تنتبه جيدا لما سوف أقول ، وأن تفتح دماغك معى ... قلت : معنى كلامك أنك تقصد بمعنى فلسفى كيفية اكتساب الدماغ معرفة العالم الخارجى .. قال الدكتور : هذا هو .. وهذا ليس بالأمر الهين أو البسيط ، إن التنبيهات البصرية المتاحه للدماغ لا تعتمد على أكواد ثابته من المعلومات ، فأطوال الموجات الضوئية المنعكسة عن السطوح المختلفة تتبدل مع تبدلات الإضاءة وعلى الرغم من ذلك فإن الدماغ قادر على ان يعرفها لونا لونا وحركة حركة ، ولنضرب مثلا بيد متحركة لشخص يتكلم فإن الحركة تختلف كل لحظة إلى حركة أخرى ، فإن الدماغ بالرغم من هذا يصنفها على أنها يد ، ويستطيع أن يتحقق من حجمها الطبيعى الحقيقى ..... قلت : ماذا تعنى يادكتور .... قال الدكتور : أقصد ان مهمة الدماغ هى استخلاص الملامح المتغيرة للأشياء من فيض المعلومات التى تصل إليه ، ويعد التأويل جزء لا يتجزء من الأحساس ، ولا تقتصر تحليل الصورة المقدمة من الشبكية ، بل على الدماغ أن تبنى بشكل فعال عالما أبصاريا متكامل ، ولعمل ذلك طور الدماغ آلية عصبية معقدة فعاله بشكل عجيب جعل دراستها تستغرق قرنا من الزمن قبل أن يتمكن أحد من تخمين مكوناتها المتعددة ، وقد بداءت الأن تنجلى بعض أسرار الدماغ الإبصارية ، وهى تتمثل فى السعة المذهلة والمميزة لتلك الآلية فى تقسيم معقد للعمل ، ونجد ذلك تشريحيا فى مناطق قشرية متميزة ومناطق جزئية لمناطق متخصصة لوظائف بصرية معينه ، وحينما تتعرض هذه الآلية للخطر يظهر المرض فى العجز عن التواصل إلى معرفة هذه الخاصية .... قلت : لم أفهم شئ مما قلته أخيرا يا دكتور .... قال الدكتور : يعنى عند مشاهدة صورة ما تقوم مناطق متميزة فى القشرة الدماغية بتحليلها إلى خواص إبصارية مختلفة مثل اللون والشكل والحركة ، فألإبصار والفهم يحدثان فى آن واحد بفضل الفاعليات المتزامنه لهذه المناطق القشرية وهكذا فإن العالم الذى نراه هو أبتكار من الدماغ الإبصارى .
ومن العجيب ان أى شكل لهذا التقسيم النوعى ( المناطق ) والتخصص فى الدماغ لا يتضح عادة فى المستوى الإدراكى وهكذا فإن القشرة المخية الإبصارية تقدم لنا التحدى الفكرى لمحاولة فهم كيفية تعاون اجزائها فى اعطاء صورة واحدة للعالم صورة لا تحمل أى آثر لتقسيم العمل بداخلها ، وقد سمعت هذا التعبير من أحد أساتذة علم الأعصاب فى أمريكا يقول :( إن ما نراه هو أكثر مما تتلقاه العين بكثير ) .... قلت : معلوماتى عن الإبصار إن الأشياء المرئية تنقل أكواد إبصارية بالضوء المنعكس أو الضوء الصادر منها ، وبعد ذلك تنطبع الصورة على شبيكية العين كما هو الحال فى التصوير ( الفوتوغرافى ) الضوئى ، وإن هذه الأنطباعات الشبكية تنقل لاحقا إلى القشرة الإبصارية التى تعمل كمحلل للأكواد التى تحتويها الصورة ، وإن حل هذه الأكواد يؤدى إلى الرؤيا وتتحول إلى مدركات بصرية ...

قال الدكتور : ان ما قلته فى كيفية عمل الدماغ هى نظريات استمرت حتى أواسط السبعينات وكانت فلسفية إلى حد بعيد ولم نسلم بها نحن كأطباء للأعصاب .... قلت بسرعة : لماذا لا توافقوا على هذه النظرية بالرغم من أنها مقنعة تماما لكيفية الإبصار عند البشر ؟... قال الدكتور : لإن هذه النظريات بكل بساطة فصلت بين الحس والفهم وأعطت كل ملكة مكانا مغايرا فى القشرة الدماغية ، وأن منشأ هذا المبدأ المزدوج غامض ولكنه يوافق رأى الفيلسوف ( كانت ) بوجود ملكتين للحس والفهم الأولى منفعله والثانية فاعلة ) .
قلت : ولكن ما هو الصحيح ؟ ... قال : لقد رأى أطباء الأمراض العصبية دليلا لأفتراضهم أن الشبكية تتصل بغزارة مع جزء متميز واحد من الدماغ هو القشرة الإبصارية الأولية والمعروفة باسم ( الباحه ) وقد صمم هذا الأتصال بدقة طوبوغرافية عالية أى بدقة معرفة مكانه فى الدماغ بالضبط ، وفى هذه المنطقة التى  تحتوى على خريطة شبكية دقيقة جدا وتتصل هذه المنطقة بمنطقة أخرى تحت قشرية تسمى النواة الركبية الجانبية للدماغ وهى تتألف من ست طبقات من الخلايا ، وهذه الخلايا منها ما يجمع الضوء ومنها ما يسجل الألوان ... وخطر ببالى سؤال فقلت : لكن كيف يحدث العمى ؟؟... قال الدكتور :أن أى قطع أو فصل بين الشبكية والمنطفة التى ذكرتها فى القشرة الدماغية تحدث عمى مطلق ، وقد أثبت بعض أطباء علم النفس أن بعض مناطق الدماغ ومنها هذه المنطقة الإبصارية كانت ذا مظهر ناضج عند الولادة فى حين استمر غيرها من المناطق القشرية المحيطة بها غير ناضجة ، وكأن هذه المناطق تنضج بأكتساب الخبرة بعد ذلك ، ووجد أيضا أن أى عيب بمنطقة تسمى القشرة الترابطية الإبصارية إذا وجد أى عيب تؤدى إلى العمى العقلى وهى حالة يظن فيها الأشخاص أنهم يرون الأشياء ولكن لا يفهمون ما يرون .. قلت : إذن هل الشبكية حالة خاصة؟ .... قال الدكتور : أفهم ما أقول بدقة أكثر : إن ضرورة فاعلية الأعصاب لإتمام تشكل الدماغ ونموه أمر له حسناته المميزة أولها أن الجهاز العصبى أثناء نضجه يمكن أن يتحور ويؤدى ذلك إلى نمو دقيق بفعل الخبرة نفسها مهيئة بذلك درجة معينة من التكيف ، وكذلك وجد فى الفقاريات العليا يمكن أن تستغرق عملية الصقل هذه زمنا أطول ، فهى تبدأ فى الرحم وهو جنين ثم يتطور الجهاز الإبصارى فى المرحلة الأولى بعد الولادة حيث أن هذا التطور يؤدى دورا مهما فى تنسيق المدخلات من كلتا العينين ، ويعتبر التنسيق ضروريا للرؤيه بكلتا العينين وكذلك للإدراك المجسم للعمق ، وكذلك فإن تطور الفاعلية العصبية بعد الولادة فائدة أخرى تتمثل فى كونها محافظة على الناحية الوراثية ..... 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام

١ - عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها

الطفيل بن عمرو بن طريف الدوسي