جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام
صحابي من فقهاء الصحابة ، ولد بالمدينة ، وكان لوالده مزرعة خارج المدينة يصحبه معه كلما ذهب إليها .
وفى يوم شاهد الفتى والده عبد الله يتجهز لرحلة بعيده ،وجلس الوالد مع ابنه يوصيه بالمزرعة خيرا ويطلب منه أن يكون الأبن المطيع لأوامر أمه وأخواته البنات حتى يعود ، ولكن الفتى يرفض كل ما يعرض عليه والده وهو يلح عليه أن يصحبه فى هذه الرحلة ، وفعلا نزل الاب على رغبة ابنه وأخذه معه ، وكانت القافلة تضم رجال من الأنصار وبعض النساء سمعوا بدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم واستمعوا إلى بعض ٱيات القرٱن الكريم يرتلها لهم ( مصعب بن عمير ) فأعلنوا إسلامهم وتركوا الأصنام وعاشوا ينتظرون يوم لقاء النبى صلى الله عليه وسلم.
قابلت القافلة الرسول وتمت البيعة بين رسول الله والأنصار .
وقال عبد الله لابنه : انطق بالشهادة يا بنى ونطق الفتى بكلمات التوحيد ( أشهد أن لا إله إلا الله واشهد أن محمد رسول الله ) .
بعض الروايات تجيز أن جابر حضر غزوة بدر والبعض ينفى أن جابرحضرها ، ولكنه شارك المسلمين فرحتهم بالنصر على قريش.
وجاءت غزوة أحد ، وقال عبد الله لابنه : يا بنى أنى أرجو أن أكون أول من يصاب غدا ، فاوصيك ببنات عبد الله خيرا .
فذهب جابر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: أن أبى خلفنى على أخوات لي سبع وقال يا ابنى لا ينبغى لي ولا لك أن نترك هؤلاء النسوة لا رجل بينهن ولست بالذى أوثرك بالجهاد مع الرسول على نفسي . فأذن له الرسول صلى الله عليه وسلم فخرج معه ودارت رحى المعركة ، وقتل عبد الله ، يقول جابر : لما قتل أبى يوم أحد جعلت اكشف الثوب عن وجهه وأبكى وجعل أصحاب الرسول ينهونى ، والنبى لا ينهانى وقال: ابكيه أو لا تبكيه مازالت الملائكة تظله باجنحتها حتى رفعتموه .
ويقول جابر أيضا : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خرج لدفن شهداء أحد قال: زملوهم بجراحهم فإنى انا الشهيد عليهم ..ما من مسلم شهيد فى سبيل الله إلا جاء يوم القيامة يسيل دما اللون لون الزعفران والريح ريح المسك .
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : أى هؤلاء كان أكثر أخذا للقرٱن ، فإذا أشير إلى الرجل قال النبى : قدموه فى اللحد قبل أصحابه ، وكان عبد الله بن عمرو أول قتيل فى المسلمين يوم أحد قتله سفيان بن عبد شمس ، وقال الرسول : ادفنوا عبد الله بن عمرو ، وعمرو بن الجموح فى قبر واحد لما كان بينهما من الصفاء ، وقال: ادفنوا هذين المتحابيين فى قبر واحد .
وأصبح جابر يلازم رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يفارقه . ويحدثنا جابر عن صلاة الخوف قائلا: غزوت مع الرسول صلى الله عليه وسلم قبل نجد فلما قفل مع أصحابه ادركتهم القافلة فى واد كثير الشجر فنزل النبى صلى الله عليه وسلم وتفرق الناس يستظلون بالشجر ونزل الرسول تحت شجرة معلق سيفه بها . قال جابر: إن رجلا من بنى محارب يقال له (غورث) قال لقومه : من غطفان ؛ ألا اقتل لكم محمد ؟. قالوا: بلى ، وكيف تقتله ؟ . قال : أفتك به . قال جابر : فجاء وسيف الرسول معلق لشجرة فأخذه وسله فقال لرسول الله:أتخافنى؟.
قال النبى : لا . قال : فمن يمنعك منى ؟ قال: الله يمنعنى منك .قال: فتهدده أصحاب رسول الله فأغمد السيف وعلقه قال : فنودى للصلاة ، فصلى بطائفة ركعتين ثم تأخروا وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين . قال: فكانت للرسول اربع ركعات وللقوم ركعتان ، وكان هذا فى غزوة ذات الرقاع فى العام الرابع الهجرى ثم عاد الرسول إلى المدينة.
قال جابر: كان معى جمل ضعيف فى تلك الغزوة فأخذ الرفاق تمضى وجعلت اتخلف حتى ادركنى الرسول صلى الله عليه وسلم ، فقال: ما لك يا جابر ؟ قال: قلت : يا رسول الله أبطأنى جملى هذا ،قال: أنخه ، فأنخته واناخ الرسول ثم قال : اعطنى هذه العصا من يدك أو أقطع لي عصا من شجرة .قال: فأخذها منى فنخس بها الجمل نخسا ثم قال : اركب ، فركبت فخرج الجمل والذى بعثه بالحق يسابق ناقته مسابقة .
وتحدث معى الرسول صلى الله عليه وسلم فقال : أتبيعنى جملك هذا يا جابر؟ قلت : يا رسول الله بل أهبه إليك . قال: لا . ولكن بعنيه . قلت : فسمينه يا رسول الله ، قال : قد أخذته بدرهم ، قلت : لا تغنيننى يا رسول الله ، قال : فبدرهمين ، قلت: لا . قال : فلم يزل يرفع لي حتى بلغ الأوقية ، قلت : رضيت ، قال: نعم ، قلت : فهو لك ، ثم قال يا جابر : هل تزوجت ؟ . قلت : نعم يا رسول الله .قال: أثيبا أم بكرا ؟ قلت: بل ثيبا ، قال : أفلا جارية تلاعبها وتلاعبك ؟ . قلت : يا رسول الله إن أبي أصيب فى أحد وترك بنات له سبع فنكحت امرأة جامعة تجمع رؤوسهن وتقوم عليهن .
قال: أصبت إن شاء الله ، أما إنا لو قد جئنا صرارا أمرنا بجزور فنحرت وأقمنا عليها يومنا هذا ذاك وسمعت بنا فنفضت نمارقها ، قلت: ما لنا من نمارق . قال: إنها ستكون ، فإذا أنت قدمت فاعمل عملا كيسا . قال : فلما جئنا صرارا أمر الرسول بجزور فنحرت وأقمنا عليها ذلك اليوم ، فلما أمسى دخل رسول الله ودخلنا .
قال : فحدثت المرأة الحديث ، وما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قالت: فدونك سمع وطاعة .
قال : فلما أصبحت أخذت براس الجمال فأقبلت به حتى انخته على باب مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: ثم جلست فى المسجد قريبا منه ، قال: وخرج الرسول فرأى الجمل ،فقال:ما هذا ؟ قالوا : هذا جمل جابر بن عبد الله
قال: فدعيت له ، قال : يا ابن أخى خذ برأس جملك فهو لك . ثم دعا بلالا فقال له : اذهب بجابر فأعطه أوقية . قال: فذهبت معه فأعطانى أوقية وزادنى شيئا يسيرا . قال: فوالله مازال ينمى عندى ويرى مكانه من بيتنا حتى أصيب فى يوم الحره .
أرأيتم ما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم مع أحد أصحابه إنه معهم فى فرحهم وسرورهم وفى حزنهم وٱلامهم يسأل عن دابته الضعيفة ويسأل عن الركب ، ويعرف حاجته إلى المال وأنه قد قتر عليه رزقه فيساومه على دابته وتتم المبايعة والمقايضة بين القائد والمقود وبين الرسول وصحابه .
وفى يوم الخندق قال جابر : اتجهت إلى بيتى وعندى شاة صغيرة غير ثمينة فقلت: لو صنعناها لرسول الله صلى الله عليه وسلم. قال : فأمرت امرأتى فطحنت لنا شيئا من شعير فصنعت منه خبزا وذبحت الشاة فشويناها لرسول الله .
قال : فلما أمسينا وأراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن ينصرف عن الخندق بعد العمل الشاق به .
قلت : يا رسول الله أنى صنعت لك شويهة كانت عندنا وصنعنا معها شيئا من خبز الشعير . فأحب أن تنصرف معى إلى منزلي ، وكان يحب جابر أن ينصرف معه الرسول وحده ، ويكمل جابر حديثه فيقول: فلما قلت هذا ، قال : نعم ثم أمر صارخا فصرخ ( منادى ) أن انصرفوا مع الرسول الى بيت جابر بن عبد الله ، فقلت : إنا لله وإنا إليه راجعون .
فأقبل الرسول صلى الله عليه وسلم وأقبل معه الناس ، قال : فجلس واخرجناها إليه ، فبرك وسمى الله ثم أكل وتوردها للناس كلما فرغ قوم قاموا وجاء ناس حتى صدر أهل الخندق عنها كلهم.
إن رسول الله لا يأكل وحده ولا يفضل نفسه على أصحابه وهو وهم كما وصفهم خالقهم سبحانه وتعالى فقال : ( مَّحمد رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ۖ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ۖ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ).
ثم مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومات ابو بكر ، ومات عمر وجابر معهم حتى جاء الأجل المقدر ليلحق بصحابته الكرام فى جنة عدن . رحمه الله رحمة واسعة بمقدار ما قدم من خير للإسلام والمسلمين .
تعليقات
إرسال تعليق