وهن المعارك - 792
وهن المعارك
بدء الدكتور يتكلم بمجرد أن وصلت وجلست كأننى تلميذ فى الإبتدئى يستمع إلى معلمه الذى يجله : يعد اضطراب ( وهم المعارك ) من أكثر الأمراض شيوعا بين الجنود العائدين من الحرب سابقا ، وهو يصنف اليوم بين اضطرابات القلق النفسى ، وهو اضطراب يتميز بأعراض متعددة أهمها أفكار منهكة كأستدعاء مشاهد تنبض بالحياة من أحداث الماضى المسببة للمرض ، أو كوابيس مع أضرابات نوم مصحوبة بدرجة عالية من اليقظة .
قلت للدكتور النفسى الشهير : لقد تذكرت ما سنتحدث عنه اليوم .. قال: نعم فلقد نظرت فى النتيجة اليوم الأثنين وجدت أن أمس كان العاشر من رمضان ( حرب أكتوبر ) فتذكرت الموضوع مباشرة ... قلت : وهل يصاب أشخاص آخرين بهذا المرض ( وهن المعارك ) ... رد بسرعة : طبعا ، لا يقتصر على المحاربين القدماء فقط ، بل يشمل ضحايا الأغتصاب والإرهاب وحوادث المرور أيضا ... قلت : هل هذا المرض أيضا له مكان محدد فى القشرة الدماغية ... قال : ليس له علاقة بمنظومة الدوائر الدماغية ، وهو مرض خارجى المنشأ يسمى أحيانا بـ ( رضى النفس ) وهذا المرض يظهر بعد مرور أسابيع أو شهر من الحادث أو بعد الرجوع من الحرب ، وأحب أن اعرفك أن هذا المرض لا يصيب كل المحاربين أو كل ضحاياه بالرضوض النفسية بل يصيب20% فقط منهم ، حيث يعانى هؤلاء الكرب الحاد الذى يتجلى بنوبات متكرره من ردود أفعال الهلع الشديد المصحوب بذكريات أو لمحات مما يراه مرتبطة بحادثه الأليم .
قلت للدكتور : وكيف يعالج هذا المريض ؟ .. رد الدكتور النفسى وقال : انا خايف تشتغل دكتور نفسى بعد هذه الأحاديث التى عملتها معك .. ثم تابع كلامه : يعالج هذا المرض معالجة سيكلولوجية ... قلت بسرعة : ما معنى سيكلولوجية يادكتور؟ .. قال الدكتور : والله شرحتها لك من قبل ، أنك سوف تتعبنى معك أرجو أن تركز جدا فيما أقول لك من مصطلحات ، قلت لك قبلا أن المعالجة السيكولو جية هى معالجة بالكلام وليست بالدواء وهى تأهيل المريض نفسيا من خلال تعريضه المتكرر بالحادث أو المعارك إذا كان محارب سابق بحيث أن هذه الذكريات لا تهدد سلامته ، أو إشارات تتعلق بالحدث إلى أن يصبح قادرا على الفصل بين الحوادث الممرضة لذكريات الماضى الخاص بالحادث وبين خوفه ونسمى هذا بالأرتكاس ... قلت : ما معنى ( أرتكاس ) أول مره أسمعها ... قال الدكتور الأرتكاس هو الرجوع الأوتوماتيكى للنفسيه السوية ، والأ ستعاضه عن ارتكاس الخوف بأرتكاس طبيعى ... قلت للطبيب : وهل هناك تجارب لهذا المرض ؟ ... رد : طبعا تم التجارب على الإنسان والحيوان ، وقد عرف العلماء أن من أسباب عدم الشفاء وترك المريض معرض للأصابة بالأضطراب هى منطقة فى الدماغ المتخصصة بنقل الإشارات العصبية المرتبطة بالخوف وتعرف هذه المنطقة باسم ( النوة العميقة للسطر النهائى ) وهذه الجملة ترجمة حرفية عن اللغة الأنجليزية ، وهذه المنطقة مسؤولة عن عدد دقات القلب والعرق الشديد والجمود الحركى وردود أفعال شديدة .
وقد قام بعض علماء المخ والأعصاب بتجارب على الجرذان أثبتوا فيها أن المنطقة ما تحت اللمبية فى قشرة الدماغ هى المسؤول الرئيسى عن ظاهرة إخماد الخوف ... ضحكت بصوت عالى ، وقال الدكتور : ما يضحكك ؟ قلت أنت تقول منطقة تحت اللمبية هل هذا ما تقوله ؟ ... رد الدكتور : أيوه ... قلت : هل أخذ اسم اللمبى الشهير عن هذه المنطقة وهو يظهر فى الأفلام بأنه شخص غير سوى ؟ .. رد الدكتور : ممكن .. تعالى نعود مرة أخرى ونتكلم عن الرضى النفسى المسبب للمرض وكمل الدكتور كلامه : أن هذه المنطقة التحت اللمبية فى القشرة الدماغية لدى هؤلاء المرضى كانت أصغر حجما منها لدى الأشخاص الذين عانوا تجارب رضى نفسى مشابه ولكنهم لم يصابوا بالأضطراب ( وهن المعارك ) ، ووجد أيضا أن سماكة القشرة الدماغية تتناسب طرديا مع القدرة على معالجة ذاكرة الخوف .... قلت يعنى تصوير القشرة الدماغية مهم جدا ؟ قال : طبعا لقد بدأت طرق التصوير العصبي بالكشف عن الأساس البيولوجى لفوائد المعالجة المعرفية - السلوكية ، وهى طريقة من طرق العلاج السيكولوجى ( الكلامى ).. أين تقع هذه المنطقة ، رد الطبيب : أنها تقع ما قبل الجبهه وهى تؤدى دور مهم فى جميع الحالات التى ذكرتها ... قلت : انا مستغرب يا دكتور أن جميع الأمراض النفسية التى ذكرتها سيادتك هى فى منطقة الجبهه الأمامية للرأس ... قال : هذا الأمر لا يثير الأستغراب بتاتا لأنها عند الثدييات الأخرى منطقة قليلة التطور ، ولذلك فإن دراستها عند الحيوانات فى المعمل صعبة ومعقدة ، ولذلك فالقشرة الدماغية هى تميز للجنس البشرى عن باقى الكائنات الحية ، ويعتقد كثيرا من العلماء أن هذه المنطقة من الدماغ هى التى تتحكم فى الدماغ كلها ، وهى المكان الذى تتم فيه معالجة معظم ما نأمل فيه كبشر من أهداف وما ينبعث فينا من حوافز من أجل أن نكون قادرين على اتخاذ القرارات والتخطيط للمستقبل .....
تعليقات
إرسال تعليق