علم الشيخوخة -803
علم الشيخوخة -803
قابلت الدكتور
النفسى الشهير ووجدت عنده شخص أخر ، عرفنى به وقال : هذا الدكتور (ب ) كان معى فى
أمريكا أثناء دراستنا للدكتوراه هناك ... فقلت مسرعا : وهل هو متخصص أيضا فى المخ
والأعصاب ... ودعونا نسمى صديقى الدكتور باسم ( أ ) ، والدكتور
الثانى صديقه هو (ب ) ... رد صديقى الدكتور (أ) قال : أنه متخصص فى علوم الشيخوخة
.. فقلت وانا أوجه كلامى للدكتور (ب) : وهل هذا علم يدرس فى كليات الطب هناك ...
رد الدكتور (ب) طبعا وانا الدكتوراه بتعتى فى هذا التخصص من الولايات المتحدة
الأمريكية ... فقلت : فرصة نتكلم فى هذا العلم المهم وحضرتك معنا ... قال الدكتور
(ب) مفيش مانع ... فقلت هل يتمكن العلماء من إطالة أعمارنا ونحن بصحة جيدة .... قال
الدكتور (ب) : إذا أعطيت لك الحرية المطلقة لتخطط لنهاية حياتك – آخر الأسابيع
والأيام والساعات والدقائق – فماذا تختار؟ .قلت : استغفر الله العظيم نحن لا نحدد
ميعاد موتنا ( إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ
وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ
مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ۚ إِنَّ
اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (34) ... قال الدكتور : ياعم فتح مخكك شوية أن
بقول مثلا .. ثم تابع : مثلا .. مثلا أن تكون نهايتك وأنت بصحة جيدة ثم تنتهى
بسرعة ؟ .. كثيرا من الناس يفضلون هذا الخيار ، ولكن لي هنا ملاحظة مهمة وهى أنه
إذا كنت تشعر فى إحدى اللحظات بأنك فى صحة جيدة فإن أخر ما يمكن أن تتمناه هو أن
تسقط ميتا ، وأما بالنسبة لأفراد عائلتك والأصدقاء والجيران فسوف يعانون فجأة شدة
الحزن والأسى ، حيث ستمثل لهم وفاتك خسارة كبيرة لهم ، وعلى الجانب الآخر فإن
التعايش فى النهاية مع مرض عضال لا أمل فى شفائه ليست بالشئ المستحسن أيضا ، ناهيك
عن كابوس فقدان أحد الأحباء فى ظلمات تدهور قواه العقلية وأصابته بالخبل .... قلت
: كلنا نفضل تجنب التفكير فى نهاية الحياة ونعرف أنه أمر الله كتبه على الكائنات
الحية جميعها ... قال (ب) : لا هذه الفكرة خاطئة لأن هناك بعض من الكائنات الحية
لا تموت .. وسوف أعرفك كيف هذا ؟ .. واستمر الدكتور (ب) فى كلامه فقال : فى
الولايات المتحدة مثلا وقبل مائة سنة كانت أعمار الإنسان المتوقع يقل بنحو 25 سنة
عما هو عليه الآن ، وهذا فى الحقيقة نتيجة إلى وفاة كثير من الأطفال والشباب فى سن
مبكرة لأسباب عدة ، وقد توفى ربع عدد الأطفال قبل بلوغ سن الخامسة بسبب العدوى ،
وكثيرا ما توفيت الأمهات نتيجة مضاعفات الولادة ، وكان بعض الناس يتوفاهم الله بعد
خدش بشوكة تسبب تسمم دموى قضى على حياته .... قلت : هل تريد أن تقول أن هذه
الأسباب التى ذكرتها حضرتك للوفاة استطاع الإنسان التغلب عليها ؟ ... قال (ب) :
طبعا فقد أدى التحسن الكبير فى الإجراءات الصحية العامة والرعاية الطبية المتقدمة الذى حدث خلال القرن الماضى إلى
أنخفاض كثير من معدلات الوفيات فى الأعمار الصغيرة والمتوسطة التى صار الناس الأن
يتخطونها ويعيشون إلى ما بعدها بكثير ، ومازال متوسط العمر المتوقع حول العالم بإزدياد
، وقد بلغ معدل الزيادة فى الدول الغنية نحو خمس ساعات فى اليوم الواحد ، أما فى
الدول النامية فإن الزيادة ترتفع بمعدل أكبر وصار السبب الرئيسى للوفاة الأن هو
الشيخوخة ذاتها وما ينتج منها من أمراض مثل السرطان الذى يدفع بالخلايا إلى
التكاثر خارج نطاق التحكم أو المرض ، والزهايمر الذى يتسبب فى الموت المبكر لخلايا
الدماغ ، وحتى فيروس كورونا يقضى كذلك على المسنين قبل الشباب .
وفى الزمن الحديث
وحتى عام 1990 توقع خبراء الدراسات الأحصائية للسكان ( الديموكرافيون) بكل ثقة عن
قرب التوقف التاريخى للزيادة المفرده فى الأعمار ، واعتقد كثيرا من الباحثين أن
الشيخوخة عملية ثابته ، أى أنها مبرمجة ضمن جهازنا الحيوى وتقضى إلى الموت فى وقت
معين .
وأحب أن أقول : لم
يخطر على بال أحد الزيادة المطردة فى الأعمار فقد فجأت المخططين ومازال العلماء
يحاولون استيعاب أن حقيقة عملية الشيخوخة ليست ثابته ، وإن متوسط عمر الفرد لم يصل
بعد إلى حد معين ، فهى تتغير وتستمر بالتغير ، وتمتد لأسباب لا نفهمها بالكامل –
غير انخفاض معدلات وفيات الطاعنين فى السن يفضى بتوقعات طول الحياة إلى معدلات غير
محسوبة غير معروفة وإذا تهاوت اليقينيات السابقة بشأن شيخوخة الإنسان فماذا يتبقى
؟ وماذا يعرف العلم فى الواقع عن عملية الشيخوخة ... وتوقف الدكتور وقال : غدا لنا
لقاء أخر مع رحلة الشيخوخة وتركنا وغادر المكان مسرعا بعد أن استأذن ....

تعليقات
إرسال تعليق