بيت الحكمة
كانت العلوم الإسلامية عامة ومنها علم الفلك ،قد أرسيت بعد قرنين من هجرة النبى محمد صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة عام ٦٢٢ للميلاد ويعد هذا الحدث بداية التقويم الإسلامي ، وقد اتسمت القرون الإسلامية الأولى بالتوسع السريع ، ولم يتوفر مناخ كاف من الاستقرار والتوطن لازدهار العلوم إلا بحلول أواخر القرن الثانى وأوائل القرن الثالث للهجرة وفى ذلك الوقت انتقلت الخلافة إلى العباسيين عام ٧٥٠ للميلاد ، فأسسوا مدينة بغداد وجعلوها عاصمتهم عام ٧٦٢ للميلاد ، وبدأوا برعاية ترجمة المؤلفات اليونانية ، ولم تمضى بضعة عقود إلا وكانت الأعمال العلمية الرئيسية للأقدمين بما فيها أعمال كالينوس وأرسطوطاليس ، وإقليدس وبطليموس وارشميدس وأبولنيوس قد نقلت إلى العربية ، وقد أنجزت هذه العملية من قبل علماء نصارى ووثنيين وعلماء مسلمين .
وكان أشد المتحمسين لهذه الجهود الخليفة المأمون الذى تولى الخلافة عام ٨١٣ للميلاد ، فقد أسس المأمون مجمعا علميا سمى بيت الحكمة وجعل حنين بن إسحاق العبادى وهو نصرانى نسطورى معروف بتمكنه الممتاز من اللغة اليونانية مسؤولا عنه ، وأصبح حنين أشهر مترجمى النصوص اليونانية فنقل إلى العربية مؤلفات لأفلاطون وأرسطوطاليس وللمعلقين عليها ، كما ترجم أعمال ثلاثة من مؤسسي الطب اليونانى وهم أبوقراط وكالينوس ووديسقوريدس .
كان مترجم بيت الحكمة الأول للأعمال الرياضية والفلكية شابا وثنيا اسمه ثابت بن قرة ،كان ثابت يمتهن فى الأساس الصيرفة فى سوق حران وهى مدينة تقع فى شمال العراق مركز الطائفة النجمية ( وهى طائفة من عبدة النجوم) وكان راسخ الإيمان بأن هذه الطائفة هى من أول من حرث الأرض وأسس المدن وأقام الموانى واكتشف العلم ، ورغم ذلك فقد اتسع له صدر الخلافة الإسلامية ، وكتب فى بغداد ما يربو على مائة مقالة علمية تضمنت تعليقا على ( المجسطي) بطليموس وكذلك فلكى ٱخر عمل فى بيت الحكمة هو الخوارزمي الذى يمكن أن يعد كتابه ( الجبر والمقابلة) والذى أهداه للخليفة المأمون أول كتاب بالعربية فى هذا الموضوع وكذلك أسهم فى إدخال الطرق الهندية وكذلك اليونانية إلى العالم الإسلامى ، وبعد عام ١١٠٠ للميلاد ترجم إلى اللاتينيه من قبل انجليزى ( روبرت أوف تشستر) وهذه الترجمة كانت السبب فى استعمال اوربا للأرقام العربية .ثمة فلكى ٱخر عمل فى دار الحكمة هو احمد الفراغانى وهو مؤلف كتاب ( الجوامع) الذى أسس ويعتبر الأرض مركز العالم وكان لهذا الكتاب أثر كبير فى الغرب إذ ترجم مرتين فى أسبانيا من قبل حنا الاشبيلي
وفى النصف الأول من القرن الثانى عشر ترجم على يد جيرار أوف كريمونا .
زودت ترجمة جيرارد للفراغنى الشاعر دانتى بمعرفته الرئيسية بالفلك .
ففى الكوميديا الإلهية يعرج الشاعر إلى السماء من خلال كرات الكواكب التى يقع مركزها فى الأرض .
ونظرا لما أبداه بيت الحكمة فى بغداد القديمة من تسامح وما حواه من مزيج فريد من الثقافات ، فإن إنتاجه لم يقتصر على فيض من الترجمات المثيرة للأعجاب لأعمال يونانية علمية وفلسفية فحسب بل تعداها إلى الشروح والمقالات الأصلية وبحلول عام ٩٠٠ للميلاد كان قد أرسى الأساس لنمو علم عالمى كانت العربية الوحيدة لنقله .
تعليقات
إرسال تعليق