عصر النهضة على شواطئ المتوسط
تذكر كأمة النهضة معظم الناس بصور من ايطاليا فى القرن الخامس عشر الميلادى ، بأسماء مثل دافنشى ومثل بوناروتى ، ولكن قبل ذلك لخمسة قرون كان هناك على سواحل البحر المتوسط ازدهار ثقافى يستحق أن يطلق عليه اسم النهضة أيضا ، ففى القرن العاشر تأسست الإمبراطورية الرومانية المقدسة فى جنوب ألمانيا ، وكانت الإمبراطورية البيزنطية فى أوجها ومد حكام شمال افريقيا الفاطميون سيطرتهم إلى القاهرة ، وهذه الأحداث السياسية جميعا صاحبها إحياء ثقافى فارتفع مستوى الفنون والحرف والعمارة ليصل إلى مستويات جديدة من الدقة والتعقيد ، واحدثت مثل هذه التطورات حاجة إلى مواد جديدة وغريبة كان أكثرها غير متوفر على شواطئ المتوسط فمن أين الحصول عليها ؟ . وكان الحصول عليها من افريقيا وذلك فيما يتعلق بثلاثة منها هى الذهب والعاج والمرو( الكريستال الصخرى ) وحتى يتم نقلها فقد تطلب الأمر شبكة تجارية عالمية واسعة وصلت بين شرق افريقيا الجنوبية وجزيرة صقلية ، ونقلت هذه المواد شمالا إلى التجار المسلمين إلى البحر المتوسط وقد اعتنق السواحليون وهم شعب افريقيا الدين الإسلامى عن طريق زملائهم التجار المسلمين .وكان اعتناقهم للدين الإسلامى أحد أسباب تحولهم إلى مجتمع متماسك استطاع أن يرسى أسس الطريق التجارى الجديد ويسهم فى نهضة القرن العاشر فى أوروبا . ولكن تغيرا جذريا حدث عام ٩٦٠ للميلاد ، امتلأت اسواق أوروبا بقطع رائعة من عاج الفيلة الأصلي ، وكذلك ظهر هذا الاحياء لنحت العاج فى العالمين الاسلامى ( وبالذات فى أسبانيا وصقلية ) والمسيحى ( فى كل من مدينة بيزنطة ( القسطنطينية ) وبلاط الامبراطورية الرومانية المقدسة . وكذلك المرو ( الكريستال الصخرى ) فمثله مثل انياب الفيلة كان ينحت ويصقل وتحولت صناعة النحت بعد ذلك إلى مصر فى القرن العاشر ، وخرج من الورش الفاطمية المصرية سيل من أروع اشكال المرو وبدرجة وفيرة ، وتعد النماذج الأولى منه إلى حوالى عام ٩٧٥ وخلال الستين سنة التالية كان الإنتاج وفيرا جدا لدرجة أن أكثر من مائةقطعة تنسب إلى هذه الورش الفاطمية وتتميز القطع البديعة هذه بأحجام كبيرة ونقاء وإتقان .
ورغم أن العاج والمرو كانا موضع تقدير عال ، فإن الذهب كان أهم مادة مصنعة لاقتصاد البحر المتوسط ذلك أنه كان وسيلة المبادلات التجارية لأن حيازته كانت تجذب التجار وبضائعهم ، وفى هذا المجال فإن العملة الذهبية الفاطمية المسكوكة فى جميع أرجاء شمال افريقيا كانت فعالة بشكل خاص وسبب ذلك هو أن خبراء المعادن الفاطميين الذين كانوا يعملون فى ظل مراقبة صارمة من قبل الحكام تمكنوا من سك الدينار الذهبى ( وحدة العملة فى العالم الإسلامى) بنسبة عالية من النقاوة وصلت إلى ٩٦ بالمئة من الذهب الخالص ومثل هذه النقاوة التى هى أكثر بكثير من نقاوة أى عملة منافسة جذبت التجارة فى جنوب البحر المتوسط إلى الموانئ الإسلامية مفضلة إياها على الموانئ المسيحية .
وحتى يستمر تقدم التجارة كان على مسؤولى الموانئ الإسلامية أن يدفعوا دنانيرهم مقابل البضائع لذا فإن تعويض الذهب تطلب مددا مستمرا وكانت الفكرة أن معظم ذهب دور سك العملة الفاطمية جاء من غرب أفريقيا ، ولكن هناك أدلة توحى بأن شرق افريقيا كان هاما بالقدر نفسه .
إن الأدلة الكثيرة المستمدة من التاريخ الفنى ووثائق العصر والمصادر الأخرى توضح أن شرق افريقيا كان المصدر الجديد للمرو والعاج والذهب لعالم البحر الأبيض المتوسط فى القرن العاشر الميلادى .
تعليقات
إرسال تعليق