16_ عيون زمزم

15 ذو الحجة 1443ه‍ 
كان ذراع غور زمزم من أعلاها إلى أسفلها ستين ذراعا. وفى قعرها ثلاث عيون: عين حذاء الركن الأسود، وعين حذاء أبى قبيس والصفا، وعين حذاء المروة، وكان ماؤها قد قل جدا حتى كانت تجم فى الأيام، وذلك فى سنة ثلاث وعشرين أو أربع وعشرين ومائتين
سنة، فضرب فيها محمد بن الضحاك خليفة عمر بن فرج الرخجى على بريد مكة وصوافيها تسع أذرع سحا فى الأرض فى تقوير جوانبها. قال: فلما جاء الله تعالى بالأمطار والسيول فى سنة خمس وعشرين ومائتين فكثر ماؤها. 
وقد كان سالم بن الجراح فيما ذكر بعض المكيين قد ضرب فيها فى خلافة أمير المؤمنين هارون، ومن قبل كان قد ضرب فيها فى خلافة المهدى، وكان عمر بن ماهان على البريد والصوافي فى خلافة محمد بن أمير المؤمنين هارون، ومن قبل كان قد ضرب فيها وكان ماؤها قد قل حتى قال محمد بن بشير (رجل من أهل الطائف) فيما زعموا كان يعمل فيها: أنه صلى فى قعرها. فغورها من رأسها إلى الجبل أربعون ذراعا، كل ذلك بنيان، وما بقى فهو جبل منقور، وهو تسعة وعشرون ذراعا وذرع حنك (أى الارتفاع) زمزم فى السماء ذرعان وشبر، وذراع تدوير فم زمزم أحد عشر ذراعا، وسعة فم زمزم ثلاثة أذرع وثلثا ذراع، وعلى البئر ملين ( يطلق على البئر التى تحاط بأربعة أعمدة توضع عليها أربعة عوارض على كل عارضة بكرة أو اكثر فيرتفع الماء من أربع جهات) وكان عليها اثنتا عشرة بكرة يستقي عليها، منها بكرة بعث بها الحسن بن مخلد إليها فكانت عليها ثم نزعت. 
واول من عمل الرخام على زمزم والشباك وفرش أرضها بالرخام أبو جعفر أمير المؤمنين فى خلافته، ثم عملها المهدى فى خلافته، ثم غيرها عمر بن فرج الرخجى فى خلافة أبي إسحاق المعتصم بالله أمير المؤمنين سنة عشرين ومائتين، وكانت مكشوفة قبل ذلك إلا قبة صغيرة على موضع البئر، وفى ركنها الذى يلي الصفا على يسارك كنيسة على موضع مجلس ابن عباس ثم غيرها عمر بن فرج، فسقف زمزم كلها بالساج المذهب من داخل، وجعل عليها من ظهرها الفسيفساء، وأشرع لها جناحا صغيرا كما يدور بتربيعها، وجعل فى الجناح كما يدور سلاسل فيها قناديل يستصبح فيها فى الموسم، وجعل على القبة التى بين زمزم وبيت الشراب الفسيفساء، وكانت قبل ذلك تزرق فى كل موسم، عمل ذلك فى سنة عشرين ومائتين. 
ولم يزل الامراء بعد ذلك تسرج فى قناديل زمزم فى المواسم حتى كان محمد بن سليمان الزينى، فأسرج فيها من السنة إلى السنة بقناديل بيض كبار وهو يومئذ والي مكة، فامتثل ذلك من فعله، وجرى ذلك إلى اليوم. 
وعلى زمزم كتاب كتب فى صفائح ساج مذهب كما يدور فى ترابيعها، وكتب فى الصفائح التى تلي باب الكعبة، والركن كتابا بماء الذهب، وجعل الكتاب باسم المعتصم بالله، ثم جعل بعد باسم جعفر المتوكل على الله، ثم جعل اليوم باسم المعتمد على الله، وهو: 
بسم الله الرحمن الرحيم أمر خليفة الله جعفر الإمام المتوكل على الله أمير المؤمنين أيده الله أن يأمر عبد الله بن محمد بن داود عامله على مكة ومخاليفها وعلى جميع أعمالها بعمل مأثرة أيده الله، ومأثرا بآية زمزم هزمة جبريل صلوات الله على محمد وعليه وسلم، وسقاية خليله ونبيه ابراهيم وذبيحه اسماعيل صلى الله عليهما وسلم، ومأثرة العباس بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وبقية آبائه ووارثه دون جميع خلقه وعباده وأبى الخلفاء، فأطال الله بقاء أمير المؤمنين...  .  من الله. عز وجل ومن رسوله، فأجزل الله أجرهما ومثوبتها وأدام عمارة الإسلام ومآثره بهما انه على كل شئ قدير. 
كتب هذا فى سنة أربعين ومائتين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام

١ - عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها

الطفيل بن عمرو بن طريف الدوسي