22_ عمارة المسجد الحرام والزيادات

25 ذو الحجة 1443ه‍ 
زيادة المهدى الثانية عند قدومه مكة 
قال بعض المكيين: إن المهدى أمير المؤمنين اعتمر فى سنة ست وستين ومائة. فدخل مكة فى شهر رمضان، فنزل دار الندوة فبينما هو يطوف بالبيت فى أيام مقامه إذ عرضت له فاطمة بنت محمد بن عبدالله بن حسن فى ستارة، فقالت: يا أمير المؤمنين أمنى وزوجى، فقال: من أنت ومن زوجك؟. قالت: أنا فاطمة..... وزوجى حسن بن ابراهيم ابن عبد الله. قال: وأين هو؟ قالت: معي فى هذه الستارة، قال: قد أمن فليخرج، فخرج فأخذ أمير المؤمنين بيده، فطاف معه حتى قضى طوافه ثم، ثم جاء سبيله، وأقام أمير المؤمنين ( المهدى وهو أبو هارون الرشيدى) حتى حج بالناس تلك السنة فدخل عليه سفيان الثورى بمنى. 
قال: أخبرنى (يعنى الثورى) قال: قرأت ورأيت، فقلت: أى شئ هذا؟ حج عمر  بن الخطاب فانفق فى حجه ستة عشر دينارا، وزاد محمد بن أبى عمر: فقال له المهدى يا أبا عبد الله كيف رأيت حجنا؟ فقال: لولا ما يصنع هؤلاء (يعنى الاعوان). ولقد حدثنى أبو عمران أيمن بن نابل، عن قدامة بن عبد الله بن عمار الكلابى. قال: رأيت النبى صلى الله عليه وسلّم يرمى الجمرة يوم النحر، لا طرد ولا ضرب ولا اليك اليك. وإن اعوانك يا أمير المؤمنين هؤلاء قد آذوا الناس وطردهم، فسكت عنه. 
وقد كان أمير المؤمنين المهدى أمر بعمارة المسجد الحرام والزيادة فيه فى حجته الأولى، فعمر وزيد فيه ما وصفنا، فكان فيه تعويج، فلما قدم فى هذه السنة رأى الكعبة فى شق من المسجد، فكره ذلك، وأحب أن تكون الكعبة متوسطة فى المسجد. قال: فدعا المهندسين فشاورهم فى ذلك فقدروا ذلك، وإذا هو لا يستوى لهم من أجل الوادى والسيل، وقالوا: إن وادى مكة يسيل أسيالا عظيمة عارمة، وهو واد حدور، ونحن نخاف إن حولنا الوادى من مكانه أن لا ينصرف لنا على ما نريد مع أن ما وراءه من الدور والمساكن ما تكثر فيه المؤونة ولعله أن لا يتم، قال: فقال لهم أمير المؤمنين: لابد لي من أن أوسعه حتى أوسط الكعبة فى المسجد على كل حال، ولو أنفقت فيه ما فى بيوت الأموال. وعظمت فى ذلك نيته، واشتدت رغبته، ولهج بعمله، وكان من أكبر همه، فقدر ذلك وهو حاضر، ونصب الرماح على الدور، من أول موضع الوادى إلى آخره، ثم ذرعوا من فوق الرماح حتى عرفوا ما يدخل فى المسجد الحرام من ذلك وما يكون الوادى منه، فلما نصبوا الرماح على جانبى الوادى وعلم ما يدخل فى المسجد من ذلك، وزنوه مرة أخرى وقدروا ذلك. فلما أراد أمير المؤمنين الشخوص إلى العراق خلف أموالا عظيمة فاشتروا من الناس دورهم وأرغبوهم، فكان ثمن ما دخل فى المسجد من ذلك كل ذراع مكسر بخمسة وعشرين دينارا، وعن كل ذراع دخل فى الوادى مكسرا خمسة عشر دينارا، وأرسل إلى مصر وإلى الشام، فنقلت له أساطين الرخام فى السفن حتى أنزلت بجدة ثم نقلت على العجل من جدة إلى مكة، ووضعوا أيديهم فهدموا الدور، وبنوا المسجد، وذلك فى سنة سبع وستين ومائة، فكان ابتداؤهم فيما ذكروا من أعلى المسجد من باب بني هاشم الذى يستقبل بابا آخر، وهو الباب الذى يستقبل فج خط الحزامية، يقال له اليوم: باب البقالين. فقال المهندسون: إن جاء سيل عظيم فدخل المسجد خرج من ذلك الباب ولم يحمل فى شق الكعبة، وهدموا أكثر دار ابن عباد بن جعفر العايدى، وجعلوا المسعى والوادى فيها، وهدموا ما كان بين الصفا والوادى من الدور، ثم حرفوا الوادى فى موضع الدور حتى لقوا به الوادى القديم بباب أجياد الكبير بفم خط الحزامية، فالذى زيد فى المسجد من شق الوادى تسعون ذراعا من موضع جدر المسجد الأول إلى موضعه اليوم. وإنما كان عرض المسجد الأول من جدر الكعبة اليمانى إلى جدر المسجد اليمانى الشارع على الوادى الذى يلي باب الصفا تسعة وأربعين ذراعا ونصف ذراع، ثم بنى منحدرا حتى دخلت دار أم هانئ بنت أبى طالب، وكانت عندها بئر جاهلية، كان قصى بن كلاب حفرها فدخلت تلك البئر فى المسجد، فحفر المهدى عوضا منها البئر التى على باب البقالين فى جدر ركن المسجد الحرام اليوم. وهذه البئر قائمة فى أصل المنارة إلى اليوم ينتفع الناس بها ويسقون منها، وقد كان الحارث بن عيسى عمرها فى سنة ستين ومائة وهو يومئذ على خراج مكة وصوافيها، مع ابراهيم بن محمد الهاشمى وأحاط عليها بجدر من حجارة وشيدة بالنورة، وجعل منتهى الحواط لاصقا بجدر المسجد الحرام اليمانى، ثم احاط البناء حواطا إلى باب البقالين، وأحكم العرصة التى يقوم فيها المستقى من البئر، وجعل على ذلك الحواط طاقا وجعل عليه بابا يغلق ويفتح وكتب على وجه الطاق كتابا بالجص هو قائم إلى اليوم: بسم الله الرحمن الرحيم، الملك الحق المبين، وصلى الله على سيد العالمين، سقاية مباحة لبادى المسلمين وحاضرهم، محرم اجرتها، رحم الله من دعا لمن أباحها بخير. 
ثم مضوا ببابه بأساطين الرخام وسقفه بالساج المذهب المنقوش فكان العمال يعملون كذلك فى المسجد أحكم العمل واتقنه ويمدهم المهدى بالأموال ودخلت سنة تسع وستين ومائة وقد انتهوا إلى آخر منتهى أساطين الرخام من أسفل المسجد، فتوفى أمير المؤمنين المهدى فى سنة تسع وتسعين ومائة، ولم يتم بناء المسجد. 
وأكمل العمل أمير المؤمنين موسي بن المهدى لما ولي الخلافة. 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام

١ - عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها

الطفيل بن عمرو بن طريف الدوسي