أم المؤمنين عائش وحديث الإفك

قال الإمام احمد : ذكروا أن عائشة رضى الله عنها زوج النبى صلى الله عليه وسلم قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج لسفر أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها .
قالت عائشة: فأقرع بيننا فى غزوة غزاها فخرج فيها سهمي وخرجت معه وذلك بعدما نزل الحجاب فأنا أحمل فى هودجى وأنزل فيه ، فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله من غزوته ودنونا من المدينة ، ٱذن ليلا بالرحيل فقمت حين ٱذن بالرحيل فمشيت حتى جاوزت الجيش فلما قضيت شأني أقبلت إلى رحلي فلمست صدرى ، فإذا عقد لي من جذع ظفار قد انقطع فرجعت فالتمست عقدي ، فحبسنى ابتغاؤه وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلونني فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذى كنت اركبه وهم يحسبون أني فيه ، قالت: وكان النساء إذ ذاك خفافا لم يثقلن ولم يغشهن اللحم إنما يأكلن العلقة من الطعام ، فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه وحملوه وكنت جارية حديثة السن ، فبعثوا الجمل وساروا ووجدت عقدي بعدما استمر الجيش ، فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب فتيممت منزلي الذى كنت فيه وظننت أن القوم سيفقدوننى فيرجعون الي فبينما أنا جالسة غلبتنى عيناى فنمت.
وكان صفوان بن المعطل السلمي وقد عرس من وراء الجيش فأدلج فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان نائم فأتانى فعرفنى فخمرت وجهى بجلبابى والله ما كلمنى كلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه حين أناخ راحلته ، فوطئ على يدها فركبتها فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعدما نزلوا موغرين فى نحر الظهيرة ، فهلك من هلك فى شأني  
وكان الذى تولى كبره عبد الله بن أبى سلول .
فقدمنا المدينة فاشتكيت حين قدمنا شهرا والناس يفيضون فى قول أهل الإفك ولا أشعر بشئ من ذلك ، ولا أرى من رسول الله صلى الله عليه وسلم اللطف الذى أرى منه حين اشتكي إنما يدخل رسول الله فيسلم ثم يقول : كيف تيكم؟. فذلك الذى يريبنى ولا أشعر بالشر حتى خرجت بعدما نقهت وخرجت معى أم مسطح قبل المناصع ( وهي متبرزنا) ولا نخرج إلا ليلا إلى ليل وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبا من بيوتنا ، وأمرنا أمر العرب فى التنزه فى البرية ، وكنا نتأذى بالكنف أن تتخذها فى بيوتنا . فأنطلقت أنا وابنة أبي رهم بن عبد المطلب بن عبد مناف وهى أم مسطح أثاثة بن عباد بن عبد المطلب ، وحين فرغنا من شأننا أقبلنا نحو بيتي فعثرت أم مسطح فى مرطها فقالت: تعس مسطح ، فقلت لها: بئسما قلت تسبين رجلا شهد بدرا ؟.
فقالت: أى هنتاه ألم تسمعى ما قال؟. قلت: وماذا قال؟. قالت: فأخبرتني بقول أهل الإفك فازددت مرضا إلى مرض فلما رجعت بيتي دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم ثم قال: كيف تيكم؟. فقلت له: أتأذن لي أن ٱتي أبوي؟. قالت : وأنا حينئذ أريد أن أتيقن الخبر من قبلهما ، فإذن لي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فجئت أبوي فقلت لأمى : يا أمتاه لماذا يتحدث الناس به؟. فقالت : أى بنيه هوني عليك فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها إلا أكثرنا عليها.
فقلت : سبحان الله وقد تحدث الناس بها ؟؟. فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرفأ لي دمع ولا اكتحل بنوم ثم أصبحت أبكي ، قالت : فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبى طالب
وأسامة بن زيد يسألهما ويستشيرهما فى فراق أهله .
فأما أسامة فأشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذى يعلم من براءة أهله بالذى يعلم فى نفسه لهم من الود.
فقال أسامة: يا رسول الله أهلك ولا نعلم إلا خيرا .
وأما على فقال: يا رسول الله لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير وإن تسأل الجارية تصدقك الخبر .
قالت: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بربرة فقال: أى بربرة رأيت شئ يريبك من عائشة . فقالت بربرة: والذى بعثك بالحق إن رأيت منها أمرا قط أغمصه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها فتأتى الداجن فتأكله .
فقال رسول الله وهو على المنبر : يا معشر المسلمين من يعذرنى من رجل قد أبلغنى أذاه فى أهلى فوالله ما علمت على أهلى إلا خيرا ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا وما كان يدخل على أهلى إلا معى . فقام سعد بن معاذ الأنصارى فقال: وأنا اعذرك منه يا رسول الله إن كان من الأوس ضربنا عنقه وإن كان من إخواننا من الخزرجي أمرتنا ففعلنا أمرك .
فقالت عائشة: دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فتشهد حين جلس ثم قال : أما بعد يا عائشة فإنه قد بلغنى عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرئك الله وإن كنت ألممت بذنب فاستغفرى الله وتوبي إليه فإن العبد إذا اعترف بذنبه وتاب ، تاب الله عليه .
قالت : ثم تحولت فاضطجعت على فراش ،قالت: والله أعلم حينئذ أني بريئة وان الله تعالى مبرئى ببراءتى ولكن ما كنت أظن أن ينزل فى شأنى وحى يتلى ولشأنى كان أحقر فى نفسي من أن يتكلم الله فى بأمر يتلى ولكن كنت أرجوا أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى النوم رؤيا يبرئنى الله بها .
قالت: فوالله ما رام رسول الله صلى الله عليه مجلسه ولا خرج من أهل البيت أحد حتى أنزل الله تعالى على نبيه فأخذ ما كان يأخذه من البرجاء عند الوحى وهو يعرق من ثقل القول الذى أنزل عليه .
قالت: فسرى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يضحك فكان أول كلمة تكلم بها أن قال: وأبشرى يا عائشة أما الله عز وجل فقد برأك .
فقالت لي أمى : قومى إليه . فقلت : لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله عز وجل هو الذى أنزل براءتى .
إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ ۚ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۚ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ ۚ وَالَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (11)
سورة النور .

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام

١ - عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها

الطفيل بن عمرو بن طريف الدوسي