خباب بن الأرت
يذكر بن سعد فى طبقاته أن هناك بعض الأعداء أغاروا على قبيلة خباب وأخذوه أسيرا وباعوه فى أسواق مكة للنخاسة قبل الإسلام ، فاشترته أم أنمار الخزاعية التى كانت تشتغل ختانة بمكة ( تختن البنات) وعاش خباب فى بيتها عبدا لا يملك من أمر نفسه شيئا ، ولما شب وبلغ مبلغ الرجال ، هداه عقله إلى احتراف صناعة السهام والرماح والقسي ، وتعتبر حرفة رائجة فى هذا الوقت فشباب مكة ورجالها يحتاجون الكثير منها عند خروجهم للصيد أو استنفارهم للقتال.
واستمر خباب فى حرفته حتى جاء الإسلام ، واستمع مع المستمعين من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كلمات القرٱن الكريم فاستقر فى قلبه وملأته إيمانا وزوده هذا بطاقة عجيبة فى حب الإسلام .
ووهبه الله ذهنا واعيا فكان من حفظة القرٱن الكريم ، وكان ينتقل به على دور المسلمين بمكة يفقهم فى الدين ويرشدهم إلى القيام بالعبادات وحسن أدائها .
ويروى أن خباب بن الأرات ذهب إلى وائل السهمى يطلب منه بقية ما عليه من ثمن السهام والدروع التى ابتاعها منه ، فقال وائل: يا خباب أليس يزعم محمد صاحبكم هذا الذى أنت على دينه أن فى الجنة ما أبتغى أهلها من ذهب وفضة وثياب وخدم . قال خباب: نعم .
قال : فأنظرنى إلى يوم القيامة ، يا خباب حتى أرجع إلى هذه الدار فى الٱخرة فأقضيك حقك هناك ، فوالله لاتكون انت واصحابك أفضل عند الله منى ولا أعظم حظا منى فى ذلك .
فأنزل الله :
( أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (77) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَٰنِ عَهْدًا (78) سورة مريم .
قال مجاهد : أول من أظهر الإسلام سبعة هم : رسول الله صلى الله عليه وسلم , وأبوبكر ، وبلال ، وخباب ، وصهيب ، وعمار ، وسمية أم عمار .
وكان خباب يعذب بأسياخ الحديد المحماة حتى يرجع عن دينه أو يكف عما يقول ... فما استطاعوا ذلك ولا قدروا عليه .
وعن الشطبى : قال : دخل خباب بن الأرت على عمر بن الخطاب فأجلسه على متكئه وقال: ما على الأرض أحد أحق بهذا المجلس إلا رجل واحد . قال خباب : من هو يا أمير المؤمنين . قال : بلال . فقال خباب: يا أمير المؤمنين ما هو بأحق منى ، إن بلال كان له فى المشركين من يمنعه الله به ولم يكن لي أحد يمنعنى ،ثم قال : فلقد رأيتنى يوما أخذونى وأوقدوا لي نارا ثم سلقوني فيها ، ثم وضع رجل رجله على صدرى فما تيقنت الأرض إلا بظهرى ثم كشف ظهره فإذا هو شئ عظيم من ٱثار التعذيب وألكى بالأسياخ المحماة بالنار.
يقول قيس بن أبى حازم : دخلت على خباب وقد أكتوى سبعا فقال خباب: يا قيس لولا أنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن ندعو بالموت لدعوته به .
أنه العذاب الذى يصب عليهم ٱناء الليل وأطراف النهار من قوم قلوبهم كالحجارة لا تنبض برحمة ولا تحس بشفقة ولا تبصر فيما يتلى عليهم حتى تهتدى إلى نور الله .
وقال من كان يعذب من العبيد فى هذا الوقت : يا رسول الله ألا تدعو الله لنا ؟ . ألا تستنصر الله لنا ؟ .
فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال : والله إن من كان قبلكم ليؤخذ الرجل فيشق بأثنين ما يصرفه عن دينه شئ أو يمشط بأمشاط من حديد ما بين عصب ولحم ما يصرفه عن دينه شئ . وليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الركب منكم من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله والذئب على نفسه، ولكنكم قوم تعجلون .
ثم هاجر خباب إلى الحبشة مع المسلمين الفارين بدينهم ثم عاد وهاجر إلى المدينة ليكون بجوار الرسول صلى الله عليه وسلم ، وأخى بينه وبين جبر بن عتيك الذى زاره رسول الله صلى الله عليه وسلم فى مرضه ، فقال قائل من أهله : إنا كنا نرجوا أن تكون وفاته شهادة له فى سبيل الله ..
فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: إن شهداء أمتى ٱذا قليل : القتيل فى سبيل الله شهيد ، والمبطون شهيد ، والمطعون شهيد ، والمرأة تموت بكرا شهيدة ، الحريق شهيد ، والغريق شهيد ، والمجنون شهيد .
وكان خباب رجلا محاربا ما تخلف عن غزوة كان فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان يذهب فى بعض السرايا أو الطلائع التى تتقدم الجيش لتكون عونا على اكتشاف موقع الأعداء.
ولقد عاش خباب فى ٱخر أيامه فى الكوفة بلد الخيرات الكثيرة والحدائق الشاسعة ، والبساتين المثمرة ... ومع ذلك فلم يشغله شئ من ذلك عن دينه ، حتى أنه أوصى ابنه قبل وفاته فقال : أى بنى إذا مت فادفنى بهذا الظهر ( مكان فى الكوفة) فإنك لو قد دفنتننى بالظهر قيل : دفن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيدفن الناس موتاهم ، وأخذ الناس فعلا يدفنون موتاهم فى هذا الظهر . ومر على بن أبى طالب رضى الله عنه عند عودته من صفين على قبور بظاهر الكوفة فقال : ما هذه ؟ . فقيل له : يا أمير المؤمنين إن خباب بن الأرت توفى بعد مخرجك وأوصى بأن يدفن فى الظهر ، وكان الناس يدفنون فى دورهم وأفنيتهم ، وكان أول من دفن بظاهر الكوفة هو خباب ،فقد أسلم راغبا وهاجر طائعا وعاش مجاهدا ، ابتلى فى جسمه أهوالا ولن يضيع الله أجر من أحسن عملا .. ثم قال سيدنا على السلام عليكم يا أهل الديار الموحشة والمحال المقفرة من المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات أنتم لنا سلف فارط ونحن لكم تبع وبكم عما قليل لاحقون : اللهم أغفر لنا ولهم وتجاوز بعفوك عنا وعنهم .
وكانت وفاته سنة سبع وثلاثين من الهجرة وقد بلغ عمره ثلاث وسبعين سنه رحمه الله واسكنه فسيح جناته .
تعليقات
إرسال تعليق