كعب بن الأشرف

تقول كتب السيرة : هو رجل من طئ ، وأمه امرأة من بنى النضير داهية مدبرة جمعت الأموال الطائلة وادخرت له ما لا يحصى من الكنوز حتى أصبح أغنى اليهود فى المدينة . 
وكان قبل الإسلام يهدد أهل يثرب ويتوعدهم بقرب ظهور نبى جديد ، فلما جاء الرسول صلى الله عليه وسلم أضمر له الحقد والغل وتقول عليه ما لم يقله 
وأخذ يؤذى شعور المسلمين وينتهك حرمة نسائهم وبناتهم بشعره وتمادى فى ذلك كثيرا .
والمسلمون فى هذا الوقت لا يريدون أن يشهروا سيوفهم فى وجه هذا الحى من اليهود ، لأنهم لم يؤمروا بقتال ، وهم أيضا لايسكتون على هذا الضيم 
وتوصل بعض المسلمون أشعار كعب وسقطاته إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ، وتحمس المسلمون فى مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما سمعوا هذا اللغو ، وخشى الرسول
 أن تعم الفتنة وتدور رحى المعركة بين المسلمين واليهود ، فاستشار أصحابه ، فأشاروا عليه بقتل الأشرف حتى تستقر الأمور وتهدأ النفوس . عندها قال الرسول صلى الله عليه وسلم: من لكعب بن الأشرف؟ . قال محمد بن مسلمة: أنا لها يا رسول الله .قال الرسول : افعل إن قدرت على ذلك .
وشعر محمد بن مسلمة أنه تسرع فى وعده ، لأن كعب يعيش فى حصن له منيع وحوله رجاله الأشداء وهذا الأشرف من الفوارس الشجعان وإلا لما أقدم على أن يتحالف مع قريش ونقض عهده مع الرسول صلى الله عليه وسلم.
لاحظ أصحاب محمد بن مسلمة ما يعانيه من ضجر وضيق لسبب وعده للنبى ، وان عليه أن ينفذ وعده وأخذ لا يأكل ولا يشرب وركبته الهموم ، فذكر أصحابه هذا للرسول صلى الله عليه وسلم.
فدعاه وقال له: لم تركت الطعام والشراب
قال: قلت قولا لا أدرى أفى به أم لا؟ .
قال عليه الصلاة والسلام: إنما عليك الجهد. . وانتم فى حل من ذلك .
يقول الإمام الطبرى : اجتمع فى قتل كعب محمد بن مسلمة وسلكان بن سلامة وكان أخا لكعب من الرضاعة وعباد بن بشرين والحارس بن أوس بن معاذ .ووضعوا خطة لا تثير ضجيجا ولا تدعو إلى قيام حرب بينهم وبين اليهود.
وكان المسلمون حريصون على عدم إراقة الدماء وٱزهاق الأرواح وهدفهم هو قتل كعب بن الأشرف وحده .
وبدءت تنفيذ الخطة ، أن يذهب إليه أخاه من الرضاعة سلكان بن سلامة وتحدث معه ساعة وتبادلا قول الشعر .
ثم قال سلكان : ويحك يا ابن الأشرف .. إنى قد جئتك لحاجة اريد ذكرها لك فاكتم علي ما اقول . قال كعب: أفعل .
قال سلكان : كان قدوم هذا الرجل - يعنى الرسول عليه السلام - بلاء علينا . فقد عادتنا العرب وقطعت عنا السبل حتى ضاع العيال وجدت الأنفس .
فقال كعب: أنا ابن الأشرف ، أما والله لقد كنت أخبرتك يا ابن سلامة أن الأمر سيصير إلى ما كنت أقول .
فقال سلكان: إنى أردت أن تبيعنا طعاما ونرهنك ونوثق بك وتحسن فى ذلك ، وسكت كعب لحظة وأمسك بذقنه مفكرا ، وبعد برهة قال: ارهنوني نسائكم . فضحك ابن سلكان وربت على كتف ابن الأشرف قائلا : كيف نرهنك نساءنا وانت أجمل العرب ؟. قال: إذن ارهنوني أبناءكم . وهنا اقترب منه ابن سلكان ، وكأنه يستعطفه قا ئلا : أتريد أن تفضحنا أمام العرب ويتحدثون عنا ويقولون: يرهنون أبناءهم .. وانا لست وحدى إن معى أصحابا بمثل رأيي . وقد أردت أن ٱتيك بهم فتبيعهم وتحسن فى ذلك ونرهنك السلاح والسلاح فيه وفاء لك .
فقال كعب : صدقت يا سلكان ..إن في السلاح وفاء .
ورجع سلكان يسرع السير إلى أصحابه ويخبرهم خبره وأمرهم أن يأخذوا السلاح ويذهبوا إليه .
يروى عن ابن عباس رضى الله عنه : أنهم اجتمعوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وسار معهم الرسول إلى بقيع الفرقد ثم وجههم وقال: انطلقوا على اسم الله ...اللهم أعنهم .
وسارت الكتيبة الصغيرة المؤمنة إلى وجهتها باسم الله ،حتى وصلوا حصن بن الأشرف ، فهتف ابن سلكان على كعب وكان حديث عهد بعرس ، فوثب كعب من ملحفته يريد النزول .
فأمسكت به زوجه ، وأرادت أن تمنعه من النزول قائلة : إنك امرؤ محارب ، وإن صاحب الحرب لا ينزل فى مثل هذه الساعة . فقال لها : إنه ابن سلكان أخى من الرضاعة ، ولو وجدنى نائما لما أيقظني . قالت المرأة: وهى قد تكون أصدق حدسا من الرجل : والله إنى لأعرف فى صوته شر .
قال كعب بكبرياء : إليك عنى ، لو دعانى الفتى لأجبته.
كانت ليلة مقمرة والسماء صافية فنزل وتحدث معهم ساعة .
فقالوا : هل لك يا ابن الأشرف أن تتمشى إلى شعب العجوز ( مكان بين جبلين ) حيث عيون الماء وأغصان الأشجار ، فنتحدث ونسمع الشعر منك فى هذه الليلة الجميلة . قال : إن شئتم .
فخرجوا من الحصن يتمشون ، ثم إن ابن سلكان وضع يده على شعر رأسه ثم شم يده فقال: ما رأيت كالليلة طيب عطر قط اجمل من هذا .
وكان  كعب مشهور بوضع العطور ، ثم مشى ساعة معهم حتى اطمأن كعب وأخذ كل منهم يطريه وهم يتحدثون عن عطره وطيبه ، وفى المرة الثالثة أخذ سلكان بشعر رأس كعب ثم قال لأصحابه:
اضربوا عدو الله فاختلفت عليه أسيافهم فلم تغن شيئا ، وكاد أن يفلت من بين أيديهم ولو فعل ما نجا منهم أخد .
قال محمد بن مسلمة : فذكرت سكينا فى سيفى حين رأيت أسيافنا لا تغنى شيئا فأخذته وقد صاح عدو الله صيحة لم يبقى حولنا حصن إلا أوقدت عليه نار ، قال: فوضعته فى ثندوءته( ما بين السرة والعانة ) ثم تحملت عليه حتى بلغت عانته ووقع عدو الله . ولكن الكتيبة المؤمنة لم تعد سالمة فقد أصيب أحد رجالها أصيب من اسيافهم وحملوا صاحبهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فوجدوا الرسول صلى الله عليه وسلم قائما يصلى ، فلما انتهى خرج إليهم فأخبروه بقتل عدو الله .
وتناول صلى الله عليه وسلم جريحهم فمسح على جرحه ودعا له وتفرق كل منهم إلى منزله ومعهم دعوات الرسول صلى الله عليه وسلم لهم .

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام

١ - عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها

الطفيل بن عمرو بن طريف الدوسي