11 من الحكم العطائية
19 جماد اول 1442 ه
( لا ينبغي للسالك أن يعبر عن وارداته فإن ذلك يقل عملها في قلبه ويمنعه وجد الصدق مع ربه ) .
تكلمنا عن السالك من قبل ، وهو انسان حديث العهد بالتوجه إلي ربه وهو الذي اتخذ لنفسه مسلكا لطريق القرب إلي الله وهو يحاول أن يطهر قلبه من الأمراض التي يحذر منها الله ورسوله مثل الكبر والحقد والحسد وظلم الناس ... إلخ .
وهو يري نفسه بعيد عن هذه الاشياء ولم يصل بعد إلي نهاية الطريق ، فهو يجاهد النفس للاستقامة والتعرف علي أوامر الله والبعد عن المبيقات ، وهو في أثناء هذا الطريق قد يكرمه الله ببعض الواردات ( تجليات الله علي قلبه ) ، فيعرفه بمعرفة لا عهد له بها أو أن يطلق علي علمه بعض الخفايا من الأمور التي لم يكن له بها معرفة قط ، أو يطلعه علي خفايا شخص من الناس قد يكون لص أو كاذب أو دجال أو كذا أو كذا ... هذه كلها واردات من الله علي قلب الانسان السالك ، ويمكن أن يكرم الله شخص كان بالأمس مع اصدقاء السوء فيصبح ويتبدل حاله ويسلك طريق الله وكرمه الله بهذه الواردات ، وهذا التجلي من الله في طريق السالكين هو لحظة بلحظة وقد ينسي الدنيا وتتجلي الأحسيس كلها إلي الله وكأن شئ بينه وبين الله فقط .
فلا ينبغي للسالك أن يبوح بها أو يقولها لأن هذا التجلي ينتشر في الأحسيس والشعور ويستمر كلما لم يتحدث عنه ، ولكن حينما يتحدث عن هذا الوارد الذي حصل من التجلي يذوب ويغيب أثره لأنك نشرته بين الناس ، وكأن الله يريد أن يفهمك أن هذه خصية خصك بها لذلك يجب عدم البوح بها لأن ( الواردات هي ثمرة التجلي ) . فإذا باح بها الإنسان السالك للناس تحضر النفس الأمارة بالسوء وتكون السبب في نزول التجلي مع الله إلي مراتب أقل ، وكذلك الشيطان الذي يسري في الإنسان مجري الدم فعدو التجلي هما النفس الأمارة بالسوء والشيطان .
فإذا تجلي الله علي إنسان ما من علم أو خواطر ثم تحدث بها إلي الناس فيشيع المدح لهذا الإنسان من نفسه أو من الشيطان وتعم مشاعر الكبرياء في كيانه وسوف يجره هذا إلي الرياء ويشعر بأنه الشخص الوحيد الفريد بين الناس ، وهذه الحالة توصل الإنسان إلي أسفل سافلين
وقد خطر ببالي قصة ذكرها ابن الشيخ محمد الشعراوي ، حينما وصل بعد انتهاء حديثه في أحد المساجد وسأل عن الشيخ ، فقيل إنه في دورة المياه فذهب فوجد الشيخ يمسح دورات المياه بيديه فتعجب ابنه ،فقال الشيخ : أن الشيطان والنفس الأمارة بالسوء وصلت إلي فشعرت بالكبرياء والغرور فأردت أن إذل نفسي وأبعد الشيطان عني .
والسوال المهم هو كيف يفعل السالك إن جاءه وارد من الله ؟ والجواب أن يحكي هذا الوارد إلي شيخه أو معلمه الورع ، الذي يعلم حقائق الدين ويكون مبتعدا عن الشبهات ، فهذا هو مرشده ولا حرج أن يتكلم معه ، لأن اكثر هذه الواردات شيطانية فيدله شيخه علي هذا ( لأن الشيطان كثيرا ما يتلبس بينه وبين الواردات ) .
ولله الحمد أن العلماء الصالحين موجودين في كل عصر وإن قل عددهم الان .
والسؤال الثاني : إذا كانت هذه الواردات تجلت علي واحد من العارفين الذين وصلوا إلي ذلك بعد سلوكهم طريق الله ووصلوا لنهاية طريق السالكين بكل جداره وأصبحوا من العارفين ، فلهم أن يتحدثوا بهذه الواردات للناس بعد أن يشرحوها لأنفسهم اولا ، ويجدوا فيها خيار صالح لطرحها علي الناس ، لأن العارف والواصل لا يخشي عليهما من الشيطان
ونذكر هنا قصة لسيدنا عمر بن الخطاب عندما ارسل سرية بقيادة سارية الجبل إلي الشام ، وفي أثناء خطبة الجمعة وهو يقف علي المنبر ، فجاءة قطع الخطبة وهو يصيح : يا سارية الجبل ... يا سارية الجبل .. و صلت الصيحة إلي سارية الجبل بالشام وعمر في المدينة المنورة ، وقد انجاه الله من كمين للأعداء ، وهذا وارد في المدينة ووارد إلي سارية الجبل بالشام ، وهذه خارقة من الخوارق ، وقالها عمر لأن الكبرياء لن يدخل قلب عمر .
ويحكي أن سالك في أول الطريق كان يزور ملك كافر ، وكانت له ابنه جميلة جدا فطلب من الملك أن يزوجه بها وعلمت البنت بأن الرجل مسلم فطلبت منه أن يترك الإسلام ويكفر ، فكفر الرجل حتي يتزوج منها ، ولكنها رفضت الزواج منه بعد أن كفر فخرج حزينا غضبانا ، وشاهده الناس ملقي في الصحراء وهو يقول : ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين . وقد نسي الرجل ما كان يحفظ من القرٱن وعلوم الشريعة وهذا اختبار بالفشل ... وربما لا يكون شيوخ هذا العصر حتي سالكين الزمن القديم ولا حول ولا قوة إلا بالله
وقال الشيخ احمد الرفاعي : نظرت إلي الطرق الموصله إلي الله ورأيت أن كلها مذدحمة وطويلة ، ونظرت إلي طريق التذلل والخشوع إلي الله فرأيت أنه أقصر الطرق وغير مذدحم فسلكته وطريق التذلل هو ذكر الله وعبوديتي له ، وإني قد قصرة في شكره وأن أصبر على ما أبتلاني به وأقف علي بابه منكسر ذليل وأقول : اللهم أنك تعلم مكاني وتعلم سري وعلانيتي أنا العبد البأس الفقير أسألك سوال المتذللين الخاشعين لرحمتك .
واخيرا عندما تتحطم الكبرياء عندك وتقف نفسك الأمارة بالسوء وتكبلها ، وتعرف أنها لا شئ فيمكن أن تتفوه بالواردات التى وصلت إليك من تجليات الله عليك عند الضرورة والحاجة ...
تعليقات
إرسال تعليق