13 من الحكم العطائية

6 جماد الٱخرة 1442 ه‍ 
( ربما استحى العارف أن يرفع حاجته إلي مولاه لأكتفائه بمشيئته ، فكيف لا يستحي أن يرفعها إلي خليفته ) .
قد عرفنا قبل ذلك العارف : فهو انسان وصل إلي قرب الله وأنطوت فيها إرادته تحت سلطان الله وهى مرتبة فوق الزهد في الدنيا ، وأصبح كل مراده هو مراد الله .
ويقول ابن عطاء الله ربما مرت بالعارفين حالة يستحي فيها العارف سؤال الله ، ولا يسأل ربه أي شئ ، وهي حالة يمر بها العارفين أو الصالحين من عباد الله إلي أن ينقطع بهم الدعاء وتطوف مشاعرهم برحمة الله التى وسعت كل شئ ، وهذا احساس بأن الله هو الرحيم وهو الحكيم وهو الودود وهو الرازق ، ويقول العارف : ماذا أقول لله ؟ والله يحقق له كل شئ ، ويقول : لماذا أطلب من الله؟ فربما يكون الطلب غير صالح بالنسبة لي لأن الله ادري بما اريد ، وهذه مشاعر الثقة برحمة الله ولطفه ، وهذه الثقة تهيمن علي الإنسان الواصل ( العارف ) وهو الذي تقرب إلي الله فتهيمن عليه هذه المشاعر وهو يثق بأن الله لم يدخر أي شئ يسعده إلا حققه له ، وصرف عنه ما يضره وما يكرهه .
 وربما يفكر أي إنسان في هذه الثقة بالله وهو يسأل الله نفس السؤال : هل هذا الأمر في صالحه أم لا ( وعسي إن تحبوا شئ وهو كره لكم ...  ) .
وتوجد أمثلة ونماذج من حياة الأنبياء والسلف الصالح فمثلا سيدنا إبراهيم عندما حكم عليه بالحرق بعد تحطيمه للأصنام ، وهو يقذف في النار وهي مشتعلة اشتعالا عظيما ، فلم يدعو إبراهيم ربه بالرغم من أن سيدنا جبريل جاءه وقال له : هل لك حاجة ؟ فرد إبراهيم عليه : أما لك فلا ، فقال أسأل ربك ! قال إبراهيم : حسبي الله ونعم الوكيل ... فهذه حالة من الثقة برحمة الله ولطفه ، ورأي إبراهيم إن هذا شئ مخجل أن يسأل الله لأنه واثق تمام الثقة من رحمته ومن لطفه ، فهيمنت هذه الحقائق علي نفسه .
وقد يسأل سأل : ألم يقل الله ؛ أدعوني استجيب لكم ... فهل يوجد تعارض .. لا تعارض لأن كلمة ادعوني هي من قبيل المطلق كما يقول علماء البيان : أي ليكن في حياتكم وقت للدعاء .
ومن أكرمه الله ووصل إلي قربه فيسأل الله عز وجل القرب منه أكثر فأكثر ، وهو يسأل الله في الامور التي تساعده في ٱخرته وليست في دنياه .
ولقد سأل أصحاب الرسول صل الله عليه وسلم يوما فقالوا : يا رسول الله ما لنا إذا كنا عندك رقت قلوبنا وزهدنا دنيانا وكأننا نري الأخرة رأي العين؟ .. فأجابهم عليه السلام : والذي نفسي بيده لو تداومون علي حالكم عندي لصافحتكم الملائكة عيانا ولكن ساعة وساعة ... وسمع هذا الصحابي الجليل عمران بن حصين ، فاشتعلت اشواقه وكلف نفسه إلا يقعد واراد أن تكون كلها ساعة واحدة موصوله النجوي والتبتل لرب العالمين ، فأصبح لا ينتمي إلي عالم الدنيا التي يعيشها وصار كأنه ملك يحيا بين الملائكة يحادثهم ويحادثونه ويصافحهم ويصافحوه .
وسيدنا إبراهيم يحرك لسانه بالدعاء ولكنه ٱتي الله بقلب سليم ، وتركه ربه ليقذف به إلي النار ، وكأنه يختبره وفي النهاية كانت النار بردا وسلاما عليه .
وهذا الفضيل بن عياض كان قاطع طريق ، ثم تاب وحسنت توبته ، ولقب ب ( عابد الحرمين ) ، وقف يوم عرفة يوم الحج وهو يضع يده تحت خده إلي أن جاء المساء وكان يري نفسه مذنبا ، واحس بالخجل فلم يحرك لسانه بدعاء وعندما تحرك الحجيج إلي مني قال : إني خجلت منك يارب .
ومن أقواله : قيل له ما الزهد ؟ . قال: القنوع ، وقيل له ما الورع ؟ قال : اجتناب المحارم . قيل ما العبدة ؟ قال: اداء الفرائض . قيل ما التواضع ؟ قال: أن تخضع للحق . 
وقال: عليك بطرق الهدي ولا يضرك قلة السالكين بها ، وإياك وطرق الضلاله ولا تغتر بكثرة السالكين بها ....
   

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام

١ - عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها

الطفيل بن عمرو بن طريف الدوسي