17- المخلصون
يا رب أجعلنا من عبادك المخلصين، وان يكون عملنا وعبادتنا صافية لله وحده.
ولا يكون العمل صافيا إلا إذا نقي من الرياء والتصنع والنفاق، وفى الحديث القدسي:«انا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا اشرك فيه معى غيرى تركته وشركه». ذلك لأن الله لا يقبل القلب المشرك ويحب القلب الصافى من الشرك.
يدل مما سبق ان العبد لا يكون مقربا ومخلصا إلى الله إلا إذا احب الله وهذا الحب يكون لله وحده، لان المحسن الأوحد هو الله وقال الله فى سورة يوسف( وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ۖ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَن رَّأَىٰ بُرْهَانَ رَبِّهِ ۚ كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ ۚ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (24). فالإنسان يتغلب عليه احيانا حب الدنيا من مال واولاد وزوجة وجاه وشهوات الدنيا. ولكن يجب ان تتغلب محبة الله على هذه الشهوات. قال تعالى:( زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14) آل عمران.
فإذا تغلب حب الله على حب هذه الأشياء السابقة فهو من المخلصين.
قال تعالى:( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ ۗ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (165) البقرة.
فهناك بعض الناس يقولون: إن الإنسان لا يستطيع ان يحب الله لأن الله لا تدركه الابصار والإنسان يحب ما يراه وما يحس به من عطف نحو الأخرين، وهذا خطأ كبير، ولكن الإنسان المخلص يحب صفات الله وبالتالى يحب الله، وصفات الله نجدها فى اسماءه جميعا (الرحمن الرحيم القوى المتين..............).
فالجمال ينقسم إلى جمال الصورة (تراه الأبصار) وجمال لا تدركه الأبصار وتراه البصائر والقلوب، فالقلب يتأثر بالجمال المعنوى ومصدره الله سبحانه وتعالى، وهذا طبعا بخلاف احسان الله، لأن احسان الله على العباد كثير جدا.
والمخلصون يجدون محبة الله فى اتباع اوامره وان ينتهوا عما نههم عنه، ولو عملوا هذا بدون محبة لله فيصبحوا منافقين، ولكن حب العبد لربه هو حبه لذات الله واخلاصه له الذى يشعر به ويتعلق بحب الله ويكون ثمرة هذا الحب هو الأخلاص فى العبادة. وعندما تجد حب الله مسيطر على قلب المسلم تجده يستيقظ الفجر ولو كان الجو برد قارص ولكنه يستيقظ من فراشه الدافئ ويحسن الوضوء ويقوم قبل الفجر ليصلى صلاة القيام ثم يذهب إلى المسجد لصلاة الفجر. قال تعالى:(
( تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (16). السجدة. والحب بين انسان واخيه هو ميله له والأستأناس بقربه ونستوحشه إذا غاب عنا، وهذا معنى غريزى، لا يجوز ان نتعامل به مع الله، لأن حب الله للعبد وكرمه له ورزقه له وحمايته له وستره له، هذه كلها نتائج حب الله للعبد المخلص، وإذا احب الله عبدا أحبه منذ خلقه وهذا الحب لا يجوز تأويله بشئ اخر ولا نصفه بالمعنى الغريزى الذى نعرفه عن الحب.
فقد يكرم الله غير المخلصين له ويرزقهم، ولكن محبة الله للآنسان فى ان يترك شهواته ويؤمن بالله وحده ويدخل الإيمان قلبه وينعكس ذلك فى ذكر الله والأخلاص لعبادته بالصلاة والصيام والزكاة وقراءت القرآن.
سأل الأمام الشافعى: هل يرى العبد ربه يوم القيامة؟. قال: نعم، ثم دلل على هذا بآية من سورة المطففين:(كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ (15). ثم قال: والذى نفسى بيده لولا إني سوف اشاهد الله يوم القيامة لما عبدته.
وبنظرة إلى المجتمعات الإسلامية اليوم
نجد الحروب والمشاكل بينها، وسبب هذا ان قلوبنا اصبحت خالية من حب الله والأخلاص له، وإن اكثر المسلمون يؤمنون بالله إيمان عقلانى ولما يدخل الإيمان قلوبهم بعد، والإيمان العقلانى لا يكفى، فيجب ان يكون هناك إيمان عاطفى ايضا بالقلب فيؤدى هذا إلى السلوك الذى أمر به الله والأخلاص لعبادته، والإيمان الفكرى او العقلانى لا يكفى كى نتغلب على شهوات النفس الأمارة بالسوء، ولكن الإيمان العاطفى بالله الذى يدخل القلوب هو الذى يؤثر فيتحكم فى الشهوات والغرائز.
تعليقات
إرسال تعليق