24- المقسطون
فى حديث لعبد الله بن عمر بن العاص رضى الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:« إن المقسطين عند الله على منابر من نور، الذين يعدلون
فى حكمهم وأهليهم وما ولوا» مسلم.
الذى يقود الإنسان فى حياته عاملان، عامل عقلى وعامل عاطفى، ولكن العامل العقلى اضعف من العاطفى، فالعاطفى هو الأقوى، لان العامل العقلى يشير دائما إلى الحق والعدل والطريق المستقيم وهو يشير ولا يندفع، اما العاطفه هى الوقود المحرك فيحدث بها الحب والكراهية والخوف وهذه المشاعر هى التى تحرك الإنسان.
والمجتمعات فى جميع العصور تربى أجيالها علميا ودينيا وهذه التربية فى النهاية يراد بها ان تكون العاطفة خاضعة للعقل وهذا هو اساس مهمة التعلم، وقد تطورت الوسائل وتنوعت السبل، ولكن الهدف قديما وحديثا من التربية والتعليم هو ان تسير العاطفة الإنسانية وراء العقل. لأن العقل إذا خضع للعاطفة هلك الناس وضاع الحق بينهم، فالتربية هى تنسيق بين العقل والعاطفة، فنحن جميعا دائما نحتاج إلى التعلم والتربية، وإذا تركنا الأجيال القادمة دون تربية فسوف تقودهم عاطفتهم لأنها أقوى من العقل عندهم.
وتمكن حلاوة الهدى من القلب هو داء عضال فتطغى فيه شهوات الإنسان عليه فيكون مثل الحيوان، فتصبح عاطفة الحب شهوة ولا تجد عدلا ولا حق وهذا داء يهلك المجتمع.
وعندما يسير العقل وراء الشهوات والهوى فيظلم الناس ويبتعد المجتمع عن العدل والقسط. هذا هلاك للبشر.
الله سبحانه وتعالى خاطب الإنسان بالعقل مره وبالعاطفة مره، فهو يقول سبحانه:( لعلكم تعقلون) وهذا لأولى الألباب (العقول)، وخاطب العاطفة فقال سبحانه:( والذين آمنوا أشد حبا لله). وقال ايضا:( وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ ۚ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (7)الحجرات. وقال ايضا:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54)المائدة
هذه الآيات تخاطب العاطفة.
فكيف نحرر انفسنا من الشهوات؟ والأجابة: بالعلم والعمل فنصبح متفهمين لا تتحرك مشاعرنا لأى شئ، لأن العاطفة هى وقود العقل. فمثلا يوجد من ينشر الإسلام بالعقل فقط فيصبح الخطاب جامدا غير مقبول، ولكن إذا أضفنا العاطفة، فالعقل يتعلم توحيد الله وعبادته وهذا يهيمن بها القلب ثم يقوده العقل بعد ذلك إلى العاطفة وحب الله.
وكيف السبيل بحب الله والأبتعاد عن الشهوات؟. وهذا يكون بربط النعم بالمنعم ومعرفة الصنعة بالصانع، فكلنا تغرقنا نعم الله ( وما بكم من نعمة إلا من عند الله) ومنها نعمت المال والطعام والشراب والزوجة والاولاد....( وان تعدوا نعمة الله لا تحصوها) وإذا علم العقل بهذه النعم كلها وهى من عند الله سوف يتفجر حب عميق لله من عاطفته.
انظر إلى مواسم الربيع عندما تزدهر الأزهار وتخضر الأرض بالنباتات والأشجار، فهذه النعم الجميلة من المظاهر التى صنعها الله، فهو الصانع المبدع لهذا الكون، ويتحول الإيمان العقلى إلى حب عاطفى ويتحول الحديث عن الله حديث المحب الولهان، والإنسان مفطور على حب الله، ولو سلب منا الله هذه النعم او بعضها فندعوا: يارب ارجع لنا هذه النعم مرة اخرى فترجع.
قال تعالى:( وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155)البقرة
وعندما تغيب النعم يستيقظ العقل ويتجه إلى باب الله، وهذا لطف من الله ان نرجع جميعنا إلى الله.
فيجب ان تكون محبة الله أضعاف الشهوات وحينئذ يحكم الناس بالقسط والعدل لأنهم سوف يحكمون بما انزل الله من الشرع.
(وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا) الجن.
القاسطون غير المقسطين، القاسط هو الجائر الظالم المعتدى وعدهم الله بان يكونوا حطبا لجهنم، أما المقسطون فهم أهل العدل وهم المهديون الذين يعدلون فى حكمهم ولا يتبعون الهوى فهم الذين تعلموا وتربوا على الحق والعدل من شرع الله.
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (8) المائدة.
تعليقات
إرسال تعليق